آراء

توحيد الاقتصاد اليمني يبدأ من حيث يمكن للدولة أن تعمل

نايف حمود العزي

|
قبل 3 ساعة و 55 دقيقة
A-
A+
facebook
facebook
facebook
A+
A-
facebook
facebook
facebook

 يُختزل النقاش حول وحدة اليمن غالبًا في أبعاده السياسية والدستورية، بينما يُهمل السؤال الأكثر حساسية وواقعية: كيف يمكن توحيد اقتصاد منقسم فعليًا إلى أنظمة نقدية ومالية وإدارية متوازية انعكست مباشرة على معيشة المواطن اليومية؟

ففي بلدٍ يعيش حربًا طويلة الأمد، لا تُقاس الوحدة بحدود جغرافية أو نصوص سياسية، بل بقدرة الدولة على العمل، وجمع الموارد، وتقديم الخدمات، وإدارة اقتصاد متماسك.

من هنا، يصبح التفكير في توحيد الاقتصاد اليمني مدخلًا أكثر واقعية لإعادة بناء الدولة نفسها، لا نتيجة لاحقة لها.

 

أولًا: الاقتصاد اليمني… وحدة منهارة لا اختلاف سياسي

لم يعد الاقتصاد اليمني يعاني فقط من آثار الحرب، بل من انقسام بنيوي طال جوهر وظائفه الأساسية:

• سلطتان نقديتان وعملتان لهما قوة شرائية مختلفة.

• سياسات نقدية ومالية متضاربة.

• مراكز قرار متعددة لإدارة الإيرادات والإنفاق.

• ازدواج جمركي وضريبي.

هذا الانقسام لم ينتج عن خلافات أيديولوجية، بل عن انهيار قدرة الدولة على العمل في كامل الجغرافيا، ما أفسح المجال لنشوء اقتصادات محلية تدار بمنطق الأمر الواقع.

وعليه، فإن إعادة توحيد الاقتصاد لا يمكن أن ينطلق من خطاب سياسي شامل، بل من مساحة واقعية تستطيع فيها الدولة ممارسة وظائفها الأساسية.

 

ثانيًا: منطق «الدولة الممكنة» بدل «الدولة المتخيلة»

في أدبيات اقتصاد ما بعد الصراع، لا تُبنى الدول دفعة واحدة، بل تبدأ من مناطق قابلة للحكم، حيث تتوافر:

• حد أدنى من الأمن.

• مؤسسات يمكن تفعيلها.

• موارد يمكن إدارتها.

• قبول اجتماعي نسبي لفكرة الدولة.

هذا المنطق لا يُفاضل أخلاقيًا بين المناطق، بل يعترف بواقع أن الدولة لا تستطيع العمل في كل مكان في الوقت نفسه.

في الحالة اليمنية، يمثل الجنوب والمناطق المحررة مساحة يمكن فيها:

• توحيد الإيرادات.

• ضبط السياسة المالية.

• إعادة تنظيم الإنفاق العام.

• استعادة الثقة بين المواطن والمؤسسات.

وهنا لا يكون الهدف بناء اقتصاد مناطقي، بل إعادة تشغيل فكرة الدولة نفسها، فالاقتصاد هو المجال الوحيد الذي يمكن أن يسبق السياسة دون أن يناقضها.

 

ثالثًا: لماذا ينطلق توحيد الاقتصاد من الجنوب؟

لا يُستحضر الجنوب هنا بوصفهِ كيانًا سياسيًا منفصلًا، بل كمساحة اقتصادية متاحة نسبيًا لعمل مؤسسات الدولة في ظل واقع انقسام وطني أوسع، فالمعيار في هذا الطرح ليس الجغرافيا بحد ذاتها، بل قابلية الحكم، وإمكانية تفعيل الوظائف الاقتصادية السيادية.

يمتلك الجنوب في المرحلة الراهنة مجموعة من العوامل العملية التي تجعله نقطة انطلاق واقعية:

• منافذ وموانئ يمكن إدماجها ضمن منظومة إيرادات سيادية موحّدة.

• موارد طبيعية قابلة للإدارة المؤسسية ضمن إطار الدولة.

• حدّ أدنى من الحضور المؤسسي مقارنة بمناطق النزاع المفتوح.

• قدرة أعلى على استقطاب دعم إقليمي ودولي مشروط بالحوكمة والشفافية.

لكن الأهم، أن هذه المساحة تتيح اختبار نموذج اقتصاد الدولة في مواجهة اقتصاد الحرب، لا بوصفه بديلًا وطنيًا، بل كنموذج انتقالي قابل للتوسيع كلما توافرت شروطه في بقية الجغرافيا اليمنية.

وكلما نجح هذا النموذج، تحوّل من تجربة محلية إلى مرجعية وطنية لإعادة بناء الاقتصاد في عموم البلاد.

 

رابعًا:  نحو اقتصاد وطني تدريجي… لا صدمة مركزية

إعادة توحيد الاقتصاد اليمني لا يمكن أن تتم بقرارات مركزية مفاجئة، بل عبر مسار تدريجي تشترك فيه جميع الأطراف السياسية، والاقتصادية، يقوم على:

• بناء نموذج اقتصادي منضبط في المناطق المحررة.

• ربط الأداء الاقتصادي بالحوكمة والشفافية.

• استخدام الاقتصاد كجسر لإعادة الثقة الوطنية.

فحين يرى اليمنيون نموذجًا اقتصاديًا يعمل ويقدم خدمات، ويدير الموارد بكفاءة، تصبح الوحدة الاقتصادية مصلحة مشتركة لا شعارًا سياسيًا.

خاتمة:

إن بناء اقتصاد مستقر في الجنوب والمناطق المحررة لا يجب أن يُنظر إليه كمشروع مناطقي أو خطوة انفصالية، بل كمدخل عملي لإعادة توحيد الاقتصاد اليمني المنهك.

فاليمن اليوم لا يحتاج شعارات وحدة اقتصادية، بل نقطة انطلاق واقعية، والجنوب هو هذه النقطة – ليس لأنه الجنوب، بل لأنه الممكن.

ومن الممكن… تبدأ الدولة.

16-1-2026

جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية
جميع الحقوق محفوظة © قناة اليمن اليوم الفضائية